أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
49
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
المذكّر وضدّاهما المبالغة نحو : رجل عدل ورجال عدل . قال الشاعر : [ من الهزج ] . فهم رضا وهم عدل « 1 » وكذا الوصف لسائر المصادر ، والمطابقة قليلة . / وفي مثل قوله : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ « 2 » إشارة إلى ما جبل عليه الآدميّ من الميل ؛ فإنّ الإنسان وإن أمكنه أن يسوّي بينهنّ في النفقة والكسوة والمنزل والمبيت والوطء ولين الكلمة وغير ذلك ، فلن يستطيع أن يسوّي بينهنّ في المحبة ، ولهذا كان عليه الصلاة والسّلام يقول : « اللهمّ إنّ هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك » « 3 » إشارة إلى ما ذكرنا من المعنيين . قوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً « 4 » إشارة إلى العدل الذي هو القسم والنّفقة . قوله : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ « 5 » أي يجعلون له عديلا ، فصار كقوله « 6 » : هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ « 7 » وقيل : يعدلون بأفعاله عنه ، وينسبونها إلى غيره كقوله : مطرنا بنوء كذا . ولهذا حكى صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربّه : « أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب » الحديث « 8 » وقيل : يعدلون بعبادتهم عنه إلى من لا يستحق عبادة . بل أن يكون عابدا . ومن طريف ما يحكى أنّ الخبيث الحجاج بن يوسف الثقفيّ استحضر الحبر الشهيد سعيد بن جبير تلميذ ابن عباس فقال له : ما تقول فيّ ؟ قال : وما أقول : أنت قاسط عادل . فأعجب الجماعة بقوله ، فقال الحجاج الخبيث : ما تظنون ؟ قالوا : مدحك بالقسط والعدل . فقال : بل بالجور والكفر ؛ ثم تلالهم : وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً « 9 » ثُمَّ الَّذِينَ
--> ( 1 ) من شواهد المفردات : 325 . وفي الأصل : عدول . ( 2 ) 129 / النساء : 4 . ( 3 ) رواه أبو داود في باب النكاح والترمذي كذلك وابن ماجة كذلك . وانظره في منتقى الأخبار : 6 / 184 . ورواية أبي داود : « فلا تلمني » . وأخرجه الترمذي في السنن برقم 1140 . ( 4 ) 3 / النساء : 4 . ( 5 ) 1 / الأنعام : 6 . ( 6 ) وفي الأصل : قوله . ( 7 ) 100 / النحل : 16 . ( 8 ) حديث قدسي رواه زيد بن خالد الجهنيّ . أخرجه مالك في الموطأ من باب الاستسقاء . متفق عليه . ( 9 ) 15 / الجن : 72 .